الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

250

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 110 إلى 113 ] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 111 ) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 112 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( 113 ) اعتراض بتذييل بين جملة ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ وبين جملة : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ [ النساء : 109 - 113 ] . وعمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه . وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر ، وأطلق أيضا على ارتكاب المعاصي . وأحسن ما قيل في تفسير هذه الآية : أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس ، وهو الاعتداء على حقوقهم ، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نهي عنه . والمراد بالاستغفار التوبة وطلب العفو من اللّه عمّا مضى من الذنوب قبل التوبة ، ومعنى يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً يتحقّق ذلك ، فاستعير فعل يَجِدِ للتحقّق لأنّ فعل وجد حقيقته الظفر بالشيء ومشاهدته ، فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة . ومعنى غَفُوراً رَحِيماً شديد الغفران وشديد الرحمة وذلك كناية عن العموم والتعجيل ، فيصير المعنى يجد اللّه غافرا له راحما له ، لأنّه عامّ المغفرة والرحمة فلا يخرج منها أحد استغفره وتاب إليه ، ولا يتخلّف عنه شمول مغفرته ورحمته زمنا ، فكانت صيغة غَفُوراً رَحِيماً مع يَجِدِ دالّة على القبول من كلّ تائب بفضل اللّه . وذكر الخطيئة والإثم هنا يدلّ على أنّهما متغايران ، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة ، والمراد بالإثم الكبيرة . والرمي حقيقته قذف شيء من اليد ، ويطلق مجازا على نسبة خبر أو وصف لصاحبه بالحقّ أو الباطل ، وأكثر استعماله في نسبة غير الواقع ، ومن أمثالهم « رمتني بدائها وانسلّت » وقال تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ [ النور : 4 ] وكذلك هو هنا ، ومثله في ذلك القذف حقيقة ومجازا . ومعنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ينسبه إليه ويحتال لترويج ذلك ، فكأنّه ينزع ذلك الإثم عن